الشيخ محمد رشيد رضا
444
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ؟ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ * * * نهى اللّه تعالى عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء من دون المؤمنين معللا له بان بعضهم أولياء بعض لا يوالي المؤمنين منهم أحد ، ولا يواليهم ممن يدعون الايمان الا مرضى القلوب والمنافقون الذين يتربصون الدوائر بالمؤمنين . ثم أعاد النهي عن اتخاذهم أولياء واصفا إياهم بوصف آخر مما كانوا يؤذون به المؤمنين ويقاومون دينهم ، وعطف عليهم الكفار والمراد بهم مشركو العرب - فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ قرأ أبو عمرو والكسائي « الكفار » بالجر عطفا على « الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ » والباقون بالنصب عطفا على « الَّذِينَ اتَّخَذُوا » والفرق بينهما ان قراءة الجر تفيد أن الكفار اي المشركين الذين اتخذوا دين المسلمين هزؤا ولعبا لا تباح ولايتهم . وقراءة النصب تفيد ان جميع المشركين لا يتخذون أولياء بحال من الأحوال . وأما أهل الكتاب فإنما ينهى عن موالاتهم لوصف فيهم ينافي الموالاة . كاتخاذهم دين الاسلام هزؤا ولعبا أي شيئا يمزح به ويسخر منه . فلا تنافي بين القراءتين . ولكن قراءة النصب فيها زيادة معنى . وحكمة قراءة الجر انه كان يوجد من المشركين من يهزأ بدين الاسلام ويعبث به ، فقراءة الجر نص في النهي عن موالاة هؤلاء لوصفهم هذا . وقراءة النصب لإفادة النهي عن موالاة جميع المشركين ، لأن موالاة المسلمين لهم بعد ان أظهرهم اللّه عليهم بفتح مكة ودخول الناس في دين اللّه أفواجا تكون قوة لهم ، واقرارا على شركهم ، الذي جاء الاسلام لمحوه من جزيرة العرب . واما أهل الكتاب فسياسة الاسلام فيهم غير سياسته في مشركي العرب . ولذلك أجاز في هذه السورة - وهي من آخر ما نزل من القرآن - اكل طعامهم ونكاح نسائهم ، وشرع في سورة التوبة قبول الجزية منهم وإقرارهم على دينهم ، ونهى في سورة العنكبوت عن مجادلتهم الا بالتي هي أحسن . وفي الآية تمييزهم على المشركين في اطلاق اللقب ، إذ خصهم في المقابلة بلقب أهل الكتاب ، ولقّب المشركين بالكفار . كما يعبر